الشيخ محمد رشيد رضا
426
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
تعالى فرضها وهو يعلم ما فيها من الخير والمصلحة لنا « وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ » وإذا كنا نعلم أنه تعالى شأنه أعلم منا بمصالحنا ومنافعنا فما علينا إلا أن نذعن لوصاياه وفرائضه ، ونعمل بما ينزله علينا من هدايته ، وكما يشير اسم العليم هنا إلى وضع تلك الأحكام على قواعد العلم بمصلحة العباد ومنفعتهم يشير أيضا إلى وجوب مراقبة الوارثين والقوام على التركات للّه تعالى في عملهم بتلك الاحكام لأنه عليم لا يخفى عليه حال من يلتزم الحق في ذلك ويقف عند حدود اللّه عز وجل وحال من يتعدى تلك الحدود بأكل شئ من الوصايا أو الدين أو حق صغار الوارثين أو النساء الذي فرضه اللّه لهم كما كانت تفعل الجاهلية ، ولذلك قال في الآية السابقة « إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً » فللتذكير بعلمه تعالى هنا فائدتان ، فائدة تتعلق بحكمة التشريع وفائدة تتعلق بكيفية التنفيذ - وقد يخطر في البال أن المناسب الظاهر في هذه الآية أن يقرن وصف العلم بوصف الحكمة كالآية الأخرى فيقال « وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ » فما هي النكتة في إيثار الوصف بالحلم على الوصف بالحكمة والمقام مقام تشريع وحث على اتباع الشريعة ، لا مقام حث على التوبة فيؤتى فيه بالحلم الذي يناسب العفو والرحمة ؟ والجواب عن ذلك : أن التذكير بعلم اللّه تعالى لما كان متضمنا لانذار من يتعدى حدوده تعالى فيما تقدم من الوصية والدين والفرائض ووعيده ، وكان تحقق الانذار والوعيد بعقاب معتدى الحدود وهاضم الحقوق قد يتأخر عن الذنب ، وكان ذلك مدعاة غرور الغافل ، ذكرنا تعالى هنا بحلمه لنعلم أن تأخر نزول العقاب لا ينافي ذلك الوعيد والانذار ، ولا يصح أن يكون سببا للجراءة والاعترار ؛ فان الحليم هو الذي لا تستفزه المعصية إلى التعجيل بالعقوبة ، وليس في الحلم شئ من معنى العفو والرحمة ، فكأنه : يقول لا يغرن الطامع في الاعتداء وأكل الحقوق تمتع بعض المعتدين بما أكلوا بالباطل ، فينسى علم اللّه تعالى بحقيقة حالهم ، ووعيده لأمثالهم فيظن أنهم بمفازة من العذاب فيتجرأ على مثل ما تجرءوا عليه من الاعتداء ، ولا يغرن المعتدى نفسه ، تأخر نزول الوعيد به ، فيتمادى في المعصية ، بدلا من المبادرة إلى التوبة ، لا يغرن هذا ولا ذاك تأخير العقوبة فإنه امهال يقتضيه الحلم ، لا اهمال